الذكاء العاطفي في العمل – المكونات الخمسة وكيف تطوّره

الذكاء العاطفي في العمل: مكوناته عند جولمان ونموذج سالوفي وماير

by BMC Training Editorial Team

الذكاء العاطفي في العمل هو قدرة الموظف أو المدير على إدراك مشاعره ومشاعر الآخرين وفهمها وإدارتها، واستخدام هذا الفهم في التواصل واتخاذ القرار وقيادة الفريق. ويُشرح عادة بنموذجين: نموذج سالوفي وماير الذي يعدّه مجموعة قدرات قابلة للقياس، ونموذج دانيال جولمان الذي يقسّمه إلى خمسة مكونات: الوعي الذاتي، وتنظيم الذات، والدافعية، والتعاطف، والمهارات الاجتماعية.

يشرح هذا المقال النموذجين بدقة، ويعرض ما تقوله الأبحاث المحكّمة فعلاً عن أثر الذكاء العاطفي في الأداء بعيداً عن المبالغات الشائعة، ثم يقدم تمارين عملية واختباراً قصيراً للتقييم الذاتي، مع أمثلة من بيئة العمل الخليجية.

ما هو الذكاء العاطفي؟

ظهر المصطلح في علم النفس الأكاديمي عام 1990، حين نشر بيتر سالوفي (Peter Salovey) وجون ماير (John D. Mayer) ورقة عرّفا فيها الذكاء العاطفي (Emotional Intelligence) بأنه مجموعة مهارات تسهم في التقدير الدقيق للمشاعر والتعبير عنها لدى الفرد والآخرين، وفي تنظيمها، وفي توظيف المشاعر للتحفيز والتخطيط وتحقيق الأهداف (Salovey وMayer، 1990).

ثم انتشر المفهوم خارج الأوساط الأكاديمية مع كتاب دانيال جولمان (Daniel Goleman) الصادر عام 1995، وانتقل إلى عالم الإدارة بمقاله في مجلة هارفارد بزنس ريفيو عام 1998. ومن هنا نشأ تمييز مهم يفيد كل من يقرأ عن الموضوع: هناك نموذج القدرات (Ability Model) الذي يقيس الذكاء العاطفي كقدرة عقلية باختبارات أداء، والنموذج المختلط (Mixed Model) الذي يجمع القدرات مع سمات شخصية وكفاءات سلوكية، ويُقاس غالباً باستبانات التقرير الذاتي (Ashkanasy وDasborough، 2015).

نموذج سالوفي وماير: الفروع الأربعة للذكاء العاطفي

طوّر ماير وسالوفي تعريفهما عام 1997 إلى نموذج من أربع قدرات مترابطة (Four-Branch Model):

الفرع ماذا يعني مثال في العمل
1. إدراك المشاعر (Perceiving Emotions) التعرف على المشاعر في الوجوه والأصوات وفي النفس ملاحظة توتر زميل في الاجتماع رغم صمته
2. استخدام المشاعر لتيسير التفكير (Using Emotions) توظيف الحالة الشعورية لتوجيه الانتباه ودعم التفكير والإبداع اختيار وقت النشاط والحماس لجلسة العصف الذهني
3. فهم المشاعر (Understanding Emotions) معرفة أسباب المشاعر وكيف تمتزج وتتطور مع الوقت توقّع أن الإحباط المتراكم قد يتحول إلى غضب أو انسحاب
4. إدارة المشاعر (Managing Emotions) تنظيم المشاعر في النفس والتأثير الإيجابي في مشاعر الآخرين تهدئة نقاش محتدم وإعادته إلى الحلول

ويُقاس هذا النموذج باختبار ماير-سالوفي-كاروسو (MSCEIT)، وهو اختبار أداء لا استبانة رأي: يتكون في نسخته الثانية من 141 بنداً موزعة على ثماني مهام، مهمتان لكل فرع، مثل التعرف على المشاعر في صور الوجوه وحل مواقف اجتماعية (Brackett وSalovey، 2006). وميزته أن الإجابات تُقارن بإجماع العيّنة أو بحكم الخبراء، فلا يعتمد على رأي الشخص في نفسه.

مكونات الذكاء العاطفي عند دانيال جولمان

في مقاله الشهير «ما الذي يصنع القائد؟» (What Makes a Leader) قدّم جولمان خمسة مكونات للذكاء العاطفي في العمل، لكل منها تعريف وعلامات سلوكية. ويلخصها الجدول التالي بصياغة عملية:

المكوّن التعريف كيف يظهر في العمل
الوعي الذاتي (Self-Awareness) معرفة مزاجك ومشاعرك ودوافعك وأثرها في الآخرين ثقة بالنفس، وتقييم واقعي للقدرات، وقدرة على الضحك من أخطائك
تنظيم الذات (Self-Regulation) التحكم في الاندفاعات والانفعالات المربكة أو توجيهها التفكير قبل الفعل، والنزاهة، وتحمّل الغموض، والانفتاح على التغيير
الدافعية (Motivation) شغف بالعمل لأسباب تتجاوز المال والمكانة مثابرة في الأهداف، ورغبة قوية في الإنجاز، وتفاؤل رغم الإخفاق، والتزام بالمنظمة
التعاطف (Empathy) فهم التكوين العاطفي للآخرين التعامل مع الناس بحسب ردود أفعالهم، وبناء المواهب، والحساسية للثقافات، وخدمة العملاء
المهارات الاجتماعية (Social Skill) إدارة العلاقات وبناء شبكات التواصل إيجاد أرضية مشتركة، وقيادة التغيير، والإقناع، وبناء الفرق وقيادتها

ويرى جولمان في المقال نفسه أن الذكاء والمهارات الفنية ضرورية للقائد لكنها غير كافية، وأن الذكاء العاطفي هو ما يميّز القادة المتفوقين عن غيرهم، وأنه يمكن تطويره إذا اتُّبع النهج الصحيح، وإن احتاج ذلك وقتاً والتزاماً (Harvard Business Review).

ما الفرق بين النموذجين عملياً؟

المقارنة سالوفي وماير جولمان
طبيعة النموذج قدرات عقلية للتعامل مع المعلومات العاطفية مزيج من القدرات والسمات والكفاءات
طريقة القياس اختبار أداء (MSCEIT) تقييمات ذاتية وتقييم 360 درجة غالباً
نقطة القوة دقة علمية وتمييز واضح عن الشخصية لغة سلوكية سهلة التطبيق في التدريب والتقييم
نقطة الضعف أقل شيوعاً في بيئات العمل تداخل كبير مع سمات الشخصية

أهمية الذكاء العاطفي في العمل: ماذا تقول الأبحاث؟

كثير من المقالات العربية والإنجليزية تنقل أرقاماً كبيرة عن تفوق الذكاء العاطفي على الذكاء العقلي. والصورة العلمية أكثر توازناً، وفهمها يحمي المدير ومسؤول الموارد البشرية من قرارات مبنية على مبالغات:

  • ادعاء جولمان: ذكر في مقاله أنه حلّل نماذج كفاءات من 188 شركة، ووجد أن الذكاء العاطفي كان أهم من المهارات الفنية والقدرات المعرفية بمرتين في الوظائف بكل مستوياتها. لكن هذا تحليل قدّمه الكاتب نفسه في مقال إداري، ولم يُنشر كدراسة محكّمة.
  • التحليل البعدي لعام 2015: وجد Joseph وزملاؤه في مجلة Journal of Applied Psychology أن مقاييس الذكاء العاطفي المختلطة ترتبط بتقييم المدير للأداء بمعامل 0.29، لكن هذا الارتباط يختفي تقريباً بعد ضبط سمات الشخصية والكفاءة الذاتية والقدرة العقلية العامة (Joseph وآخرون، 2015). أي أن جزءاً كبيراً مما تقيسه هذه الاستبانات هو الشخصية بأسماء أخرى.
  • أهمية طبيعة الوظيفة: في تحليل بعدي سابق، وجد Joseph وNewman أن الذكاء العاطفي القائم على القدرات يرتبط بأداء أفضل في الوظائف كثيفة «العمل العاطفي» (Emotional Labor) مثل خدمة العملاء والضيافة، بينما ينعكس الأثر في الوظائف التي لا تتطلب ذلك (Joseph وNewman، 2010).
  • هل يمكن تدريبه؟ راجع Mattingly وKraiger عام 2019 ثمانياً وخمسين دراسة لبرامج تدريب على الذكاء العاطفي، ووجدا أثراً إيجابياً متوسطاً للتدريب، بقي ثابتاً نسبياً عبر نوع المقياس وجنس المشاركين (Mattingly وKraiger، 2019).

الخلاصة العملية: الذكاء العاطفي مهارة حقيقية قابلة للتطوير، وأثرها أوضح في الوظائف التي تقوم على التعامل مع الناس، لكنه ليس بديلاً عن الكفاءة الفنية، ولا ينبغي أن تُبنى قرارات التوظيف على استبانة تقرير ذاتي وحدها.

الذكاء العاطفي في القيادة

تظهر قيمة الذكاء العاطفي بوضوح في المهام اليومية للمدير: إعطاء ملاحظات صعبة دون كسر الثقة، وإدارة الخلافات، وقيادة الفريق خلال التغيير، وقراءة ما لا يُقال في الاجتماعات. وهي مهارات تتقاطع مع وظائف الإدارة الأساسية، خصوصاً التوجيه والقيادة.

  • قبل اجتماع التقييم: يحدد القائد ما يشعر به تجاه الموظف حتى لا يلوّن الانطباع حكمه (وعي ذاتي).
  • عند الخطأ الكبير: يؤجل رد الفعل حتى يجمع الحقائق، ويناقش السلوك لا الشخص (تنظيم الذات).
  • في التغيير: يسمّي القلق الذي يشعر به الفريق ويعترف به قبل شرح الخطة (تعاطف ومهارة اجتماعية).

وعند تقييم المرشحين لوظائف إشرافية، يمكن قياس هذه السلوكيات بأسئلة سلوكية موحدة بدلاً من الانطباع العام، كما في دليلنا عن أسئلة مقابلة عمل المشرف.

الذكاء العاطفي في بيئة العمل الخليجية

تفرض بيئة العمل في الخليج مواقف يكون فيها الذكاء العاطفي مهارة يومية لا ترفاً:

  • التواصل غير المباشر: كثير من الرسائل المهمة تُقال تلميحاً لا تصريحاً، خصوصاً مع كبار السن والمسؤولين. والموظف الذي يقرأ نبرة الحديث وما بين السطور يتجنب إحراج الطرف الآخر ويحفظ العلاقة.
  • الاحترام الهرمي: الاعتراض على رأي المدير في اجتماع علني قد يُفهم تحدياً. ويمكن نقل الرأي المخالف في لقاء خاص بصيغة تقترح بدائل.
  • فرق متعددة الجنسيات: يعمل في الفريق الواحد أحياناً أشخاص من ثقافات كثيرة تختلف في التعبير عن الانزعاج أو الموافقة، وهنا يبرز ما سمّاه جولمان «الحساسية للثقافات» ضمن مكوّن التعاطف.
  • التعامل مع الجهات الحكومية والعملاء الكبار: الصبر وضبط الانفعال عند تأخر معاملة أو اعتراض عميل يحفظان المصلحة على المدى الطويل.

ولتنظيم الذات بعد نظامي أيضاً: فالمادة (14) من المرسوم بقانون اتحادي رقم 33 لسنة 2021 في الإمارات تحظر التنمر وأي عنف لفظي أو جسدي أو نفسي ضد العامل من صاحب العمل أو رؤسائه أو زملائه. فالمدير الذي يفقد أعصابه ويهين موظفيه لا يضر المناخ فقط، بل قد يعرّض المنشأة للمساءلة. وهذا جزء من أخلاقيات العمل التي يجب أن تحميها الموارد البشرية.

كيف تطوّر مهارات الذكاء العاطفي؟ تمارين عملية

1. سمِّ ما تشعر به بدقة

عندما تشعر بانفعال قوي، صِفه بكلمة محددة: «محبط» أو «قلق» أو «مستاء» بدلاً من «متضايق». وقد وجدت دراسة تصوير دماغي نشرها Lieberman وزملاؤه أن تسمية المشاعر بالكلمات (Affect Labeling) خففت استجابة اللوزة الدماغية للصور السلبية (Lieberman وآخرون، 2007).

2. سجل المواقف الأسبوعي

دوّن ثلاثة مواقف عمل أثارت فيك انفعالاً: ماذا حدث؟ ماذا شعرت؟ ماذا فعلت؟ وما الذي كنت ستفعله بشكل مختلف؟ بعد شهر ستظهر لك أنماط متكررة ومحفزات بعينها.

3. توقّف قبل الرد

عند رسالة بريد مستفزة أو تعليق جارح، لا ترد فوراً. اكتب الرد ولا ترسله، وعد إليه بعد ساعة. هذا التدريب البسيط هو جوهر تنظيم الذات.

4. الاستماع وإعادة الصياغة

في نقاشك القادم، أعد صياغة ما قاله الطرف الآخر قبل أن ترد: «إذا فهمتك صحيحاً، أنت قلق من…». يجبرك هذا على الإنصات، ويُشعر محدثك بأنه مسموع.

5. اطلب ملاحظات من الآخرين

اسأل زميلين تثق بهما: «متى لاحظتما أن انفعالي أثّر في الفريق؟». فالوعي الذاتي يتحسن حين تقارن صورتك عن نفسك بما يراه الآخرون.

اختبار قصير للتقييم الذاتي

قيّم كل عبارة من 1 (نادراً) إلى 5 (دائماً). هذا تمرين للتأمل الذاتي وليس اختباراً معتمداً، ولا يصلح لقرارات التوظيف.

العبارة المكوّن
أعرف ما الذي يثير غضبي في العمل قبل أن يحدث الوعي الذاتي
أستطيع وصف نقاط ضعفي المهنية بصراحة الوعي الذاتي
أفكر قبل الرد عندما أُنتقد أمام الآخرين تنظيم الذات
أتكيّف بسرعة عند تغيير الخطة أو الأولويات تنظيم الذات
أواصل العمل على الهدف رغم التعثر الدافعية
أعمل بجدية حتى عندما لا يراقبني أحد الدافعية
ألاحظ عندما يكون زميلي متضايقاً دون أن يقول ذلك التعاطف
أفهم وجهة نظر العميل حتى عندما أختلف معه التعاطف
أستطيع تهدئة خلاف بين زملائي المهارات الاجتماعية
أبني علاقات عمل جيدة مع أشخاص من ثقافات مختلفة المهارات الاجتماعية

المكوّن الذي يحصل على أقل مجموع هو نقطة البداية في خطة تطويرك.

أمثلة تطبيقية

فندق في دبي: ضيف غاضب يرفع صوته في الاستقبال بسبب تأخر غرفته. موظفة الاستقبال (مثال افتراضي) تلاحظ أن الضيف متعب من رحلة طويلة أكثر منه غاضباً منها، فتعترف بانزعاجه، وتعرض عليه الانتظار في مكان مريح مع مشروب، وتحدد له وقتاً دقيقاً. تتحول الشكوى إلى تقييم إيجابي.

شركة مقاولات في الرياض: مدير مشروع (مثال افتراضي) يتلقى في اجتماع مع جهة حكومية ملاحظات حادة على التأخير. بدلاً من الدفاع الفوري، يدوّن الملاحظات ويشكرهم، ثم يرسل بعد يومين خطة معالجة مفصلة. يحافظ على العلاقة، ويعالج المشكلة الفعلية.

الأسئلة الشائعة

ما هي مكونات الذكاء العاطفي الخمسة؟

بحسب نموذج دانيال جولمان، المكونات الخمسة هي: الوعي الذاتي، أي معرفة مشاعرك وأثرها، وتنظيم الذات، أي التحكم في الاندفاعات، والدافعية، أي الشغف بالعمل لأسباب تتجاوز المال، والتعاطف، أي فهم مشاعر الآخرين، والمهارات الاجتماعية، أي إدارة العلاقات وبناء الفرق والإقناع وقيادة التغيير.

ما الفرق بين نموذج جولمان ونموذج سالوفي وماير؟

نموذج سالوفي وماير يعدّ الذكاء العاطفي أربع قدرات عقلية هي إدراك المشاعر واستخدامها وفهمها وإدارتها، ويقيسها باختبار أداء هو MSCEIT. أما نموذج جولمان فيجمع القدرات مع سمات شخصية وكفاءات سلوكية في خمسة مكونات، ويُقاس غالباً بالتقييم الذاتي أو تقييم 360 درجة، لذلك يتداخل أكثر مع الشخصية.

هل الذكاء العاطفي أهم من الذكاء العقلي في العمل؟

لا تدعم الأبحاث المحكّمة هذا الادعاء بصيغته المطلقة. فقد وجد تحليل بعدي عام 2015 أن مقاييس الذكاء العاطفي المختلطة لا تضيف تقريباً قدرة على التنبؤ بالأداء بعد ضبط الشخصية والقدرة العقلية. لكن الذكاء العاطفي يظل مفيداً، خاصة في الوظائف القائمة على التعامل مع الناس كالضيافة وخدمة العملاء والقيادة.

هل يمكن تعلّم الذكاء العاطفي وتطويره؟

نعم. راجع تحليل بعدي نُشر عام 2019 ثمانياً وخمسين دراسة لبرامج تدريبية، ووجد أثراً إيجابياً متوسطاً للتدريب على الذكاء العاطفي. ويتطلب التطوير ممارسة منتظمة مثل تسمية المشاعر بدقة، وتدوين المواقف، والتوقف قبل الرد، وطلب ملاحظات صريحة من الزملاء، وليس مجرد قراءة أو حضور محاضرة واحدة.

كيف يظهر الذكاء العاطفي في القيادة؟

يظهر في قدرة القائد على إعطاء ملاحظات صعبة دون كسر الثقة، وضبط انفعاله عند الأخطاء، وقراءة مشاعر الفريق خلال التغيير، وإدارة الخلافات بعدل. ويرى جولمان أن المهارات الفنية والذكاء ضرورية للقائد لكنها غير كافية، وأن الذكاء العاطفي يميز القادة المتفوقين عن غيرهم.

دورات تدريبية ذات صلة

إذا كنت تريد تطوير الذكاء العاطفي لديك أو لدى فريقك ضمن مهارات القيادة والتواصل، فاطّلع على دورات الإدارة والقيادة ودورات إدارة الموارد البشرية في BMC، التي تُعقد في دبي ولندن وإسطنبول وكوالالمبور.

كتبه وراجع مصادره فريق التحرير في BMC Training، نوفمبر 2026. اطّلع على سياسة التحرير.

المصادر

مقالات ذات صلة

Blog